شـاديه...دائمآ(2)

 

بقلم الأستاذ...محمد سعيد

 

نصيحة أم كلثوم

ولأن المهندس أحمد كمال شاكر والد شادية من المؤمنين بالمقولة الشهيرة «لا يفتي ومالك في المدينة»، فقد اختار أن يذهب بصغيرته إلي سيدة الغناء العربي أم كلثوم يسألها المشورة، وبالفعل رتب لها الوالد زيارة لبيت السيدة أم كلثوم التي تربت شادية علي سماعها والإحساس بما تغنيه.. كان اسم أم كلثوم عند الصبية شادية يرادف الماء والهواء وضرورات الحياة وبعدما رحبت بها أم كلثوم سمعتها تغني لحن محمد القصبجي «بتبص لي كده ليه» فقالت لها إنت موهوبة، لديك خامة طيبة وبالاجتهاد والإخلاص ستنجحين، لكن عليك أن ترعي فنك مثلما ترعين نفسك، وأن احترامك لفنك يلي تقديسك وعبادتك لله عز وجل لأن حب العمل طاعة للخالق.

مهدتها أم كلثوم معنويا للإقبال علي العمل الفني، ومن هنا كان علي شادية أن تصارح مدرستها بحبها للغناء فكان اختيارها لأداء الأناشيد المدرسية ونجاحاتها في الحفلات المدرسية، وكان التقدير غالبا ما يكون من نصيب شادية عندما كانت تقدم في المدرسة نشيد «الجامعة» للسيدة أم كلثوم وغير ذلك من الأناشيد الوطنية المقررة علي طلاب المدارس وعبر كلمات لكبار الشعراء أمثال حافظ إبراهيم وأحمد شوقي ومصطفي صادق الرافعي وعبر ألحان نجوم التربية الموسيقية والتذوق الفني في المدارس أمثال صفر علي وعبدالحميد عبدالرحمن وعبدالحميد توفيق زكي وأحمد خيرت وغيرهم.

 

كانت نصيحة أم كلثوم لـ«شادية» بمثابة ضياء منار أعانها علي اكتشاف الطريق من بداياته والتنبؤ بما سيكون عليه في أخرياته. ساعد شادية علي التعرف علي الواقع الفني وهي صبية صغيرة أن شقيقتها الكبري عفاف والمقيمة الآن في الغرب الأمريكي، كانت تعشق التمثيل والغناء وأنها جربت حظها في هذا المجال قبل أن تفصح شادية عن موهبتها، ولعلنا نذكر من علامات بدايات عفاف شاكر، والتي لم يكتمل مشوارها مع الفن، ذلك الدور الذي لعبته في فيلم «أحمر شفايف» مع نجيب الريحاني وسامية جمال وزوزو شكيب، حيث لعبت دور ابنة نجيب الريحاني في هذا الفيلم المعروف الذي أخرجه ولي الدين سامح.

تأتي الفرصة الأولي لـ«شادية» عندما يعلنون في استوديو مصر عن الحاجة لفتيات صغيرات من هواة التمثيل والغناء للمشاركة في عمل جديد كان يحضر له المخرج الكبير أحمد بدرخان، وتخضع شادية لاختبار الكاميرا وتنجح وسط حفاوة رأي المخرج ومدير التصوير ومعظم أسرة الاستوديو في ذلك الوقت.

ويقود اختبار الكاميرا إلي أول النجاحات عندما يشاهد المخرج حلمي رفلة هذه اللقطات، وكان يبحث مع المطرب والملحن محمد فوزي عن صبية في عمر المراهقة تشارك محمد فوزي بطولة أول فيلم من إنتاجه وبعد نجاحه كمطرب وممثل في عدد من الأفلام التي سبقت فيلم «العقل في إجازة» أول بطولة لـ«شادية» في السينما وبعد تجارب صغيرة في الوقوف أمام الكاميرا قبل بدء تصوير هذا الفيلم بعدة شهور فقط.

تنجح شادية في تقديم الدور المسند إليها في فيلم «العقل في إجازة» حيث تلعب شخصية فتاة صغيرة ساذجة وتغني في هذا الفيلم ألحانا جميلة وضعها محمد فوزي لـ«شادية»، وكانت هذه الألحان أولي لبنات تعرف الناس علي صوت شادية وإمكاناته بعدما قدم محمد فوزي لها ألحانا جميلة بسيطة وسلسة تتناسب مع طبيعة صوتها في هذا العمر المبكر، وينجح الفيلم نجاحا كبيرا ويردد الناس أغنياته، وتتكرر لقاءات شادية مع أول من أعطاها الفرصة الموسيقار محمد فوزي في عدة أفلام دعمت نجاحات البدايات، ومنها أفلام «الروح والجسد» إخراج حلمي رفلة وفيلم «صاحبة الملاليم» إخراج عز الدين ذو الفقار، وفيلم «الزوجة السابعة» إخراج إبراهيم عمارة، وفيلم «بنات حواء» إخراج نيازي مصطفي، ويردد الناس من أغنيات شادية في تلك الفترة المبكرة في أواخر الأربعينيات، أغنيات جميلة لحنها محمد فوزي ومنها «إسكندرية يا غرامي» «لقيته وهويته» ـ «أنا بنت حلوة» ـ «صباح الخير» ـ «بيتهيألي أنك تهواني» ـ «الحب له أيام» وغيرها.

 

تنطلق الصبية المليحة من نجاح إلي نجاح وتقف أمام علامات فارقة في تجربة فتاة مثلها في مقتبل العمر، وحيث يحقق فيلمها «ليلة الحنة» إخراج أنور وجدي، وفيلمها «ليلة العيد» إخراج حلمي رفلة في أول الخمسينيات نجاحات غير مسبوقة في الإيرادات، وفي استمرارية أسابيع العرض لم تعرفها السينما العربية إلا مع نجمات معدودات من الجيل السابق علي ظهورها.

 

وتمضي موجات النجاح متلاحقة وترحب الأوساط السينمائية والغنائية بالقادمة الجديدة، وتلعب الصحافة دورا معاونا في الاقتراب من هذه الموهوبة الجميلة التي كانت تغني بصوت مليح يمزج حلاوة الأداء برقة الإحساس وعبر صورتها اللطيفة وملامحها الدقيقة وابتسامتها الصبوح.

يتدعم نجاح شادية بالتجاوب الجماهيري الذي أعطاها صفات عروس السينما، وكانت في موقع الابنة والأخت لكل من انحازوا إلي حضورها السينمائي المحبب ومنذ نجحت في تحقق للمتلقي المعادلة السلسة بين عناصر حياء العذراء الصغيرة وعناصر التعبير عن كبرياء الأنوثة المتفجرة. إلي جانب أنها تمتلك أيضا صوتا جميلا رقيقا تميزه النبرة الجديدة والأداء الجديد الذي لم يقلد أحدا،

 

، فكانت شادية الإضافة الجديدة أيضا إلي عالم الأداء الغنائي، ومثلما قال الموسيقار الراحل محمود الشريف إن الغناء العريق عرف مئات الأسماء من أصحاب الأصوات الجميلة لكن من بين هذه الأسماء كانت أهم صاحبات طرائق الغناء في الزمن الحديث أربعا فقط هن أم كلثوم وليلي مراد وفيروز وشادية وتحت طريقة أداء كل واحدة منهن تندرج عشرات الأسماء الأخري حتي لأكبر الأصوات شهرة وجماهيرية.

استفادت السينما من شادية وأفادتها فقدمتها في أدوار البنت البريئة والجريئة والشابة الصغيرة التي يحب الآخرون تدليلها، وكانت في تلك الأدوار طبيعية، بسيطة لم تعرف الانتقال ولم تسلك مسلك الاستظراف، وحققت شادية بهذه الأدوار صدارة الشباك الذي ظلت تحتفظ به أيضا وهي تهجر هذا اللون إلي لون آخر أكثر نضجا وأعمق أثرا.

بحثت شادية عن شخصيات فنية تشكل لاستمراريتها إضافة تزيد من قدراتها وفي مصداقيتها لدي جمهورها فتنتقل من أدوار البدايات، حيث الأداء البسيط السهل الممتنع والمقنع لدور البنت الشقية والمراهقة اليانعة إلي أدوار أخري مركبة ومرسومة بعناية وهي تنقل شريحة من الواقع يتجسد بإجادة علي الشاشة أيضا.

تتأكد خطواتها في مرحلتها التالية وفي إصرارها علي تجديد العطاء في أدوارها التي سبقت خطوتها العبقرية في فيلم «المرأة المجهولة» إخراج محمود ذو الفقار.

وجاء الفيلم الذي يعد نقطة تحول مهمة في مسيرة شادية السينمائية، وهو فيلم «المرأة المجهولة» ولم تكن شادية مرشحة لبطولته لصغر سنها في ذلك الوقت (1959)، وطبيعة أدوارها الشابة، ولم يكن المخرج محمود ذو الفقار أيضا المرشح لإخراج هذا الفيلم المأخوذ عن القصة الفرنسية «مدام اكس» سيناريو وحوار محمد عثمان، ولهذا كان نجاح الفيلم ورسوخ أقدام بطلته مفاجأة السينما في تلك السنوات.

وعبر هذا الفيلم جاء اعتراف النقاد والسينمائيين وأيضا تقدير جائزة أحسن ممثلة بعظمة قدرات الممثلة الجميلة، التي لم يخذلها جمهورها وهي تتمرد علي ما اشتهرت به من أدوار خفيفة لتنطلق في الأدوار الصعبة والمركبة، وحيث اعتبرها النقاد خطوة جريئة من ممثلة شابة تلعب دور أم ممثل يكبرها في العمر.

 

 

 

   

 

 
 

© Copyright 2005  ShadiaStar.com . All Rights Reserved
For best view your screen setting should not be less than 1024x768 with 32bit high color quality